القرطبي

283

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

بستة أعوام ، وبعث المختار به إلى المدينة فوضع بين يدي بني الحسين الكرام ، وكذلك عمرو بن سعد وأصحابه اللئام ضربت أعناقهم بالسيف ، وسقوا كأس الحمام ، وبقي الوقوف بين يدي الملك العلام في يوم يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ [ الرحمن : 41 ] . وفي الترمذي : حدثنا وأصل بن عبد الأعلى ، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عميرة قال : لما أتي برأس عبيد اللّه بن زياد وأصحابه نصبت في المسجد في الرحبة ، فانتهيت إليهم وهم يقولون : قد جاءت ، فإذا حية قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد اللّه فمكثت هنية ، ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت ، ثم قالوا : جاءت قد جاءت ، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا « 1 » . قال العلماء : وذلك مكافأة لفعله برأس الحسين وهي من آيات العذاب الظاهرة عليه . ثم سلّط اللّه عليهم المختار فقتلهم حتى أوردهم النار ، وذلك أنه الأمير مذحج بن إبراهيم بن مالك لقي عبيد اللّه بن زياد على خمسة فراسخ من الموصل وعبيد اللّه في ثلاثة وثلاثين ألفا وإبراهيم في أقل من عشرين ألفا ، فتطاعنوا بالرماح وتراموا بالسهام واصطفقوا بالسيوف إلى أن اختلط الظلام ، فنظر إبراهيم إلى رجل عليه بزّة حسنة ودرع سابغة وعمامة خز دكناء ، وديباجة خضراء ، من فوق الدرع وقد أخرج يده من الديباجة ورائحة المسك تشم عليه وفي يده صحيفة له مذهبة ، فقصده الأمير إبراهيم لا لشيء إلا لتلك الصحيفة والفرس الذي تحته حتى إذا لحقه لم يلبث أن ضربه ضربة كانت فيها نفسه ، فتناول الصحيفة وغار الفرس فلم يقدر عليه ولم يبصر الناس بعضهم بعضا من شدة الظلمة ، فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم والخيل لا تطأ إلا على القتلى فأصبح الناس وقد فقد من أهل العراق ثلاثة وسبعون رجلا وقتل من أهل الشام سبعون ألفا . فتعشوا منهم بسبعين ألفا * أو يزيدون قبل وقت العشاء فلما أصبح وجد الأمير الفرس رده عليه رجل كان أخذه ، ولما علم أن الذي قتل هو عبيد اللّه بن زياد كبّر وخرّ ساجدا ، وقال : الحمد للّه الذي أجرى قتله على يدي ، فبعث به إلى المختار زيادة على سبعين ألف رأس في أولها أشد رؤوس أهل الفساد ، عبيد اللّه المنسوب إلى زياد . قال المؤلف رحمه اللّه : نقلت هذا من كتاب « مرج البحرين في مزايد المشرقين والمغربين » للحافظ أبي الخطاب بن دحية رضي اللّه عنه .

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 3780 ) ، وهو صحيح .